حكايات المجد الضائع عند الشيخ بلّعمش في رثائيات المُدُن.. قراءة وإثارة / د. إبراهيم الدويري

حين نشرت جريدة الأخبار الأسبوعية عام 2012/2013 ثلاث حلقات من “جولة في خرائط الأحزان”، لم تكن لصاحب تلك الجولة بالإنسان الشاعر والثائر المبدع الشيخ ولد بلعمش أي علاقة غير صلة الأدب التي أرسى حبيب بن أوس دعائمها في بيتين جعلهما اتحاد الكتاب والأدباء الموريتانيين شعارا له، وهو أمر ينبغي التنبيه عليه لأن الكتابة عمن لا تربطك به قربى نسب ولا رحم أدلجة ولا عائد منفعة أمرٌ مستغرب في عصرنا هذا الذي شِيدَ على ثقافة “أسلفني على أن أسلفك” وفي رواية “امدَحني على أن أمدحَك”.

وقد تواصل حينها شاكرا وهو رجل شكور، ولم يُقَدَّر لأجسامنا اللقاءُ رغم المواعدة، وكنت أمني النفس أن أراه كفاحا بعد أن هزني شعره، وطربت لقريضه، وشدتني إنسانيته المتوثبة نصرة لكل مظلوم، حتى فجع كل حُرٍّ برحيله الهادئ وهو يصرخ في المسلمين خطيبا أن أدركوا قدسكم وأقصاكم مبشرا بقرب النصر لأمة “تساقطت أنفاسه” الكريمة أسى على حسرات مقهوريها وآهات أراملها، وصرخات أطفالها في بقاع الدنيا.

وكنت أعجب أحيانا لمواكبته الشعرية لمظالم العالمَ رغم كثرة صوارف الهندسة عن القوافي؛ وحين رحل أيقنت أن أصحاب القضايا يسابقون المنايا لتبليغ رسالاتهم، وأن مقاساة الإبداع تأخذ من طُول أعمار المبدعين فتضيف لعَرضها، وكنت أيام رحيل الشيخ المفاجئ أقرأ على شيخي الأستاذ محمد عبدالله الحبيب (ديدي) ترجمة أبي تمام من “وفيات الأعيان” فاستوقفته هذه القصة التي قد تعين القارئ على فهم سر كثرة رحيل النابغين بسرعة، والأعمار بيد الله، قال ابن خلكان:”ذكر الصولي أن أبا تمام لما مدح محمد بن عبد الملك الزيات الوزير بقصيدته التي منها قوله:
ديمة سمحة القياد سَكوبُ … مستغيث بها الثرى المكروبُ
لو سعت بقعة لإعظام أخرى … لسعى نحوها المكان الجديب.

قال له ابن الزيات: يا أبا تمام، إنك لتحلي شعرك من جواهر لفظك وبديع معانيك ما يزيد حسناً على بهي الجواهر في أجياد الكواعب، وما يدخر لك شيء من جزيل المكافأة إلا ويقصر عن شعرك في الموازاة. وكان بحضرته فيلسوف، فقال له: إن هذا الفتى يموت شاباً، فقيل له: ومن أين حكمت عليه بذلك فقال: رأيت فيه من الحدة والذكاء والفطنة مع لطافة الحس وجودة الخاطر ما علمت به أن النفس الروحانية تأكل جسمه كما يأكل السيف المهند غمده، وكذا كان” (ج2/ ث 16).

بطاقات المدن

رغم أن قضايا الحُرِّيَّة كانت حاضرة بقُوَّة في أغلب شعر الشيخ بلعمش، فبثَّ هموم الإنسان الثائر والمظلوم، وعايش العرب في ميادينهم والإنسان العربي في ابتلاءاته نعيا للكرامة ورثاء لكل الأعلام، فإن أول ما استوقفني من شعره قصيدته التي كتب عن غرناطة، “متحسرا” مع “الرندي” على “دروبها” ومعلنا له أن “الذين تيتموا لم يكبروا”، ومن تلك الوقفة انفتح لي بابٌ نحوَ الشاعر الحضاري الذي لم يشغله ظلام الحاضر عن إشراق الماضي، وأحلام المستقبل، وهو جانب تميز فيه المرحوم الشيخ بلعمش، حيثُ كان الشاعرَ الوحيدَ فيما اطَّلعت عليه من دواوين الموريتانيين المعاصرين الذي بكى المدن التاريخية بحسرة وألم.

وقد كان حاذقا وألمعيّا حتى في بكائه؛ فقد ذرف الدموع على الحواضر الأثرية في المجال “الموريتاني”: شنقيط وتيشيت ووادان وولاته، وأضاف لها مدينتين تُعَبِّران عن الامتداد الحضاري لشنقيط ثقافة وإنسانا، فبكى غرناطة شمالا، وتمبكتو شرقا، وعلى هذا البعد سيركز هذا المقال إبرازا لعبقرية الشيخ الشعرية وحِسِّه الحضاري ووعيه التاريخي حيث لم يُلجِئه تشابه الموضوع إلى ضعف في القريض ولا تكرار للمعاني.

شنقيط وابن شيخها

حديث الشاعر بلعمش إلى شنقيط ليس كغيره من الأحاديث الشعرية، فشنقيط تعني للشيخ بلعمش مجدا شكَّل ذاكرَةً ذاتَ سنَدٍ متّصل، فالاسم العائلي الذي يطلق عليه “بلعمش” اسم لأحد أبرز أعلام مدينة شنجيطي العلمية وأقدمهم، لذا فإن تنَكُّرَها لأحد أحفاده يعني أن العلاقة بين الإنسان الموريتاني المعاصر وتلك المدن بدأت في الاضمحلال، فشنقيط لم تعرف الباكي شفقة عليها:
و شنقيط نور العين تسأل من أنا….كأن ليس لي فيها كتاب و لا رفّ
تقول من الباكي؟ ألستُ ابنَ شيخها….و ها أنذا جهدي مضمرها الطرف
أمرُّ على الدنيا خرابا فلا يدٌ…..تُشير و لا دف هناك و لا قِفُّ!

ورغم تنكر المدينة لحفيد شيخ الشيوخ فإن الشاعر يصر على أن:
سأبكي طوال العمر خطو حجيجهم….!
وكيف لا يبكي الشاعر خطى الحجيج وهي تعيد له ذكريات أقرب من ذلك:
تذكرت حبوي في المصلي خلالهم…. فلي كلما اصطفوا وراءهم صف
و إذ أتهجى يغمر البشر جدتي…..و حين سفير الصبح سورتها الكهف
والشيخ إذ تحاصره تلك الذكريات فإنه يعتذر للمدينة عن الهجر المرِّ:
و ما كان هذا الصرم يا دار رأينا…. و لكنه من بعد قوتنا ضعف!
ودليل ذلك أنه لم يزل:
ومن حسرات النأي حمر دموعنا…. فيا لعيون لا تجف إذا تجفو!
فلبعمش بعد حوار وعتاب واستدعاء تاريخي لأجواء المدينة التاريخية أيام عزها يستنجد إنقاذا للكنوز المختبئة في الرمال:
فهل منقذ هذي الربوع وبوحها…. وما من كنوز قد يخبئه السقف
و من كان ذا مجد و ضيع مجده… فليس له في الناس عدل و لا صرف!

والراحل الشيخ كان يقسم شنقيط بينه والناس قسمين:
ليَ النصفُ والباقون يكفيهم نصف… فصب لنا صهباءك الآن يا حرف!
ومن المفارقات البديعة عند الشيخ الموغلة في الرمز الفخري أن قدر “صحراء” شنقيط أن “تسقي” العطاش إلى العلوم فبذلك عرفت وصار العطاء العلمي لها طبعا:
سأسقي بها العَطشى فتلك سجيَّتي….وأُوثِرُ حتى يعرف الناس من أقفو!
تلك شنقيط عند شاعرنا الذي كان يشعر بالغربة بيننا:
غريب و دار الأهل تسكن مقلتي…. ستبكي بناني حين تنكرها الكف
تلك غربته وذلك بكاؤه فما ذا عن النحيب عليه هو:
……………….. ………..فمن سوف يبكيني إذا نزل الحتف
و كانت لنا بين البساتين جنة…..و ها هي تحت الرمل من زهدنا تغفو
و إن فتى يشكو غرامين ميت….. فكيف بشنقيطين خانهما الإلف!
تلك شنقيط تشكو غرامين فما ذا عن أختها وادان؟.

وادان الكريم:

كان لشاعرنا الراحل حديث آخر ذو شجون مع “وادان الكريم” فطاف برُبوعه الفوَّاحة تاريخا حافلا بالأمجاد، وتحدّث عنها حديثا أشهى من أطايِب التمر ينضَحُ شوقا لـ”لراحلين”، وحزنا على ما جنته “مخالب” فراقهم:
رحلنا ولم نتركْ على السور حاجِبا *** فأنشبت الأيام فيه المخالبا
تلوى كمغدور بِسُمِّ نديمه *** فهل ظلَّ حتى يُبْصِر العُمْر هاربا؟
و ها نحن عُدْنا لائذين بظلِّه *** فأدنى السما منه وآوى الكواكبا
وعلمنا في الحب عفوَ كِرامه *** فَلمْ يَنْسَ مغْلُوبا وَ لمْ يَقْسُ غالِبا
أَقالَ سَيُحْيي هذه اللهُ مـــــرّةً *** فَرُدَّ لِيحْيا في السطور مناقِبا؟
ثمّ يُفيض شاعرنا الفيّاض أدبا ومشاعرَ حبٍّ وصدقٍ ناشرا دُرَرا من أخبار “وادان الكريم”:
لقد كان في وادانَ للناس آية *** وكانتْ لهُ غُـــرُّ الحكايات صاحبا
يُطلُّ على الوادي حنانا كأنما *** يسوق له البشرى وَيُزجى المواهبا
أحاصره الطوفان يوما فَلمْ يجدْ *** سوى جبلٍ يُؤويهِ أمْ عاشَ راهِبا؟
تطاوَلَ نَخلُ السفح شوقا فربما *** يعانق في دور الكرام سَحائبا
على خطُوات الأربعين تقودني *** قوافِلُ لم تُنكِرْ خُطاها الْمَضارِبا

ويُسِرُّ إليك بسرّ اسم “وادان” وألِفِه السامقة كنخله المشتاق ونونه المتدلّية كعراجينه الشهية:
وكانَ هُنا واد من العلم نوره *** يُعَتِّق منْ واد التمور الأطايبا
أرى عَتَبات الدار تُفْشي عَبيرَها *** لِتُشْرِقَ دنيا وجْهُها كانَ شَاحِبا
تـــقـــولُ بـــــآزار لها إِدَوارِن *** فَيُمْلي لها شيخ الشيوخِ مُغاضِبا
فهلْ تُرجع الأيام مكنونَ سِحرِها *** وَمنْ زمنٍ ولَّى تمنَّعَ عاتبا

ثمّ يلقي الشيخ سلام الشوق والمحبَّة مغتبطا بتصفُّح تلك الآثار الخالدة، ومتملِّيا ذلك الجمال العبق، ومتذكِّرا ماضي الزمن العتيق:
سلام على الربع الحبيب وأهله *** شهودا به أشدو وأهديه غائبا
خذوا نظرات الشوق من قلبِ شاعر *** يسوق إلى بحر الضياء المراكبا
وقِدْما أتى الآباء وادانَ مَوْكِبا *** وعادوا بأصناف العلوم مواكِبا
هو البحر نادانا وقالَ ألا اقبلوا *** فسعْديكَ مطلوبا ولبيكَ طالِبا
أحبك يا مثوى الجمال فمرحبا *** لديك تساوي منْ سواكَ مَراحِبا……

تيشيت بين الترحاب وتجدُّدِ العِتاب
حين حاور الراحل الشيخ بلعمش تيشيت أنطقها تسامحا وغفرانا للزاهدين فيها، بل زادت على ذلك بالتزين والتعطر وتقسيم الأنخاب على الجميع:
تيشيتُ قاسَمَتِ القطينَ شبابَها…. وعلى الأحبَّةِ وزَّعت أنْخابَها
غفرت لكل العاشقين ذنوبهم… عند اللقاءِ و عطَّرتْ أثوابَها.

ولم تكتف بذلك بل:
فتحتْ لنا سِفْرَ الزمانِ و أسفرتْ… عن وجهِها للناظرينَ كتابهَا
ورغم هذا الاحتفاء إلا أنها ثمة مخطوطات تعاتب لامسيها، وتجدد لهم العتاب كل حين، وتسألهم الترفق بها فقد طال الزمان والهجران:
ورق يعاتب لامسيهِ بحرقةٍ… و تُجدِّد الأيام فيه عتابَها
هذي دفاترُ من مضَى فترفَّقُوا… بالذكرياتِ ورافقوا أصحابَها!
فأصحاب هذه الذكريات العطرة يستحقُّون الوفاء لأنهم:
لما أناخوا بالشعاب ركابَهم…. حبستْ بهاَ كلُّ العلوم ركابَها
فسَلُوا الربى أسَلتْ بنَا أربَابَها… وأجبْ فؤادِي بالدُّموعِ جوابَها.

وبقية القصيدة التيشيتية يستحي التعليق أن يكون واسطة بينها وبين القارئ:
أيكونُ ما لَعبتْ يدُ الدنيا بهِ… حتى تُساعِدَ في الأسَى أتْرابَها
طللٌ بروح قصيدة هل تسمعو… نَ خطابَها أو تلمسون خضابَها
ذرفت بهاَ الألحان دمعَ سهادِنا… فكأنَّما قتلتْ به زريابَها
و تلوح مئذنة العروجِ فعرِّجُوا… يا زائرينَ و قبِّلوا أعتابَها
هل كان صدعًا أم فؤادَ شريفةٍ… غرستْ به كل الحروبِ حرابَها
و تقولُ لي قامتْ فقدْ سقط النَّصِيــــ… ـــفُ وأصلحتْ من بعدِ ذاكَ نقابَها
تيشيتُ أيتُهَا الأسيرةُ غالِبي….كلُّ القيودِ فقدْ عرفتِ غِلابَها
و سألتُها أين الشريفُ و ركبُه… فتأوَّهت و انتابَني ما انتَابَها
يا طيفَ عبد المومن النِّسبُ التي أبقيتَ بعدكَ حقَّقتْ أنسابَها
الذكرُ والحَسَنُ الجميلُ نصيبُهم…. فبذاكَ جاوزت الديارُ نصابَها
تيشيت ما غِبْنا فلا تتغيبى… ذكرى وحاضرةً أبيتُ خرابَها
ولنا مع التاريخ بعدك موعدٌ… تدني ولاتةُ عنده أحبابَها
من بعدما كل العيون قريرةٌ… وادانُ يلبس بالرِّضَى أهدابَها
شنقيط تقرئكِ السلام وعهدُنا….بك تعشقين نخيلها و ترابَها
و زلالها و ظلالها و جمالَها… و رمالَها و رِحَالها و رحابَها
ولقد حفظتِ لها الوداد رسائلا …ما كان أنبل من ألان صلابَها
أسفِي عويصات العلوم تمنَّعت….. و لقد ألفنا يازمانُ طلابَها
و كذاك يا عمري الجراح فهذه…. حقبٌ تخبئ للكرام صعابَها.

ولاته: رحيل وعويل
نادت ولاتة قريض الشيخ وحمَّلته بثّها وحزنَها على عهدها الزاهر بالعلوم والفنون والحضارة الرصينة، وكلّفته شكواها بحسرة شديدة وبيان موجع، فكان خيرَ معبِّر عن مواجعها، وأبلغَ ناطقٍ بسفرها المجيد علما وأدبا وحضارةً.. فأصغِ له، وهو يشدو:
قالت ولاتةُ للحروف أبيني …. بثي شكاتِي للورى وشجوني
لا تحسبي الصبر الجميل سعادةً …. فلربَّ مشتاق شدا بلُحون
ما زلت أنزف يا بَنيَّ فلا أخ …. يحنو وعمر الجرح بضعُ قرونِ

فكان الشيخُ لسانَها المبلِّغَ شكواها، وصوتها النائح بصدقٍ على فردوسها المندثر وشعاعها المتبدّد كشعاع الشمس حين يهمّ المرء بإمساكه:
أبكي السراة الأولين فهذه …. حسراتُ أيامي و تلك عيوني
لكأنما البكَّايُ ذاتَ عشية …. أبكتهُ أحزاني فكانَ قريني
و أنا على الجوزاء لا قمرٌ دنا …. منِّي و لا أرضٌ تدور بدوني
كتبت حِكاياتُ الزمان قصيدتي …. فترى خُطى ابنِ بَطُوطَةٍ بِحُزوني
وأنا التي لولاي ما رسم الهوى …. نجما لكل مدلَّه محزونِ
الشمس أختي لا يزال شروقنا …. نورا على الدنيا و عزَّ جبين
يا راسمين على الجدار زخارفي …. يا كاتبينَ هوامشي ومتوني ؟
إني لأذكركمْ فتورق دمعةٌ …. فوق الخدود و يستفيقُ حنيني
لو تعرفون مواجعي أو تبصرو…نَ مدامعي أو تَسمعون ظُنُوني!
ولا يزال النوح السرديُّ آسرا بجماله وألَمِه…:
الحبر ينشف لا دواة تمدُّه …. و الطرسُ يشفق من يد المفتون
من بعدما كان الولاتِيُ آية …. رحلاتِ تمكينٍ و صدق يقينِ
الراحلون على الغياب تعودوا …. و تعودتْ هوجَ الرياح سفيني

الأندلس بين ليل ابن وضحى ابن رشد:
أشرت بدءا إلى أنّ شاعرنا لم تشغله أنَّات الحاضر عن إشراقات الماضي وإن كانت هي الأخرى محفوفة بأنّات وآهاتٍ.. ومن ذلك بكاؤه درَّةَ بني الأحمر التي كانت واسطة عقد الحواضر في الغرب الإسلامي وأعظم جامعاتها عراقة وتفرُّدا..
سلِّمْ علَى غرناطة يا جعفرُ *** فلنا هُنالك ما نُحِبُّ ونذكرُ
سلِّمْ عليها و اتْلُ من نبإ الهوى *** ما شئتَ، قدْ يعفو الحبيبُ و يغفِرُ
سرْ في الدروبِ وقلْ لها مُتحسِّرا *** إنَّ الذينَ تيتَّموا لمْ يَكْبُروا
ويستعيد ذكرَ أبي البقاء الرنديّ الذي اقترن اسمه برثاء الأندلس فهو أيقونة الحزن على تلك الجنان المسلوبة:
سلِّمْ على الرنديِّ و ابكِ بكاءَهُ *** واصلبْ فؤادِي فالكرامُ تنَكَّروا
كل الحروفِ مُوشَّحاتٌ بالأسَى *** فقصائد الحمراء دمعٌ أحمَرُ
أوتارُ زريابَ انتَحارُ صَبَابةٍ *** يا حسرةَ الأوتارِ إذْ تَتَوَتَّرُ ؟!
وأنا أسافر كالطريد كأنما *** قدر الصقور من الليالي مهجَرُ؟
أتلو على السفح الحزين قصيدتي *** نخلاً تغرَّبَ أو شذًى يَتحسَّر ُ
يا ليلُ لا تزد الجراحَ على فَتًى *** ما زال جرح القدس فيهِ يُكبِّرُ
هذِي عمائمُ عبد شمسٍ نُكِّستْ *** خوفًا وأسياف الطوائف تقطُر؟!
هلْ يُسْلِمُ الأفق الرحيبُ نجومَه * هل يذبُل الغصن الرطيب فَيُكْسَرُ؟!
الأرض تنقص فالضياع رفيقنا *** وخرائط الأحزان لا تتغيَّرُ
ليلُ ابنِ حزم لا صباحَ لدمعِه *** وضُحى ابْنِ رشدٍ في الزمان تفكُّرُ
لا أنسَ منْ ولادةٍ نظــراتها *** حين ابنُ زيدون الفتى المُتَبختِرُ
وأنا هنالك لوْ ترونَ جليسُهم *** إنَّ القلوب مع الغياب لتحضرُ
وبكيت مُلكاً في الغرامِ أضعته *** فَلكمْ بكَى عزَّ القصورِ مُقصِّرُ
وبكيت أندلسا وطارقَ والأُلَى * حرقوا السفين على الضفاف لِيعْبُروا
ومن الطريف أن الشيخ كتب هذه البكائية على بحرِ وروِيِّ قصيدةٍ لابن شهيد في رثاء قرطبة وهو غير عالم بها فيما أخبرني، وأخبر رحمه الله أن علاقته بالأندلس قديمة جدا:
ربّاه ما خفت الضياء فهذه ــــــــــ خيل الفتوح ضوابح بالساحل
و جيوش أندلس تهنئ طارقا ـــــــــــ و الغافقيُّ يصدُّ ألف مقاتل
رحم الله الغافقي الذي كان يصد آلاف المقاتلين وبسبب استشهاده المبكر أعاد الفرنجة غزو الربوع وسملوا عيني تمبتكتو:
تُمْبُكْتُ كَمْ أَخْشَى عَلَيْكْ عَبَثَ الْحُرُوبِ بِمُقْلَتَيْكْ
مَاذَا سَيَبْقَى للأساوِرِ دونَ فِتْنَةِ مِعْصَمَيْكْ ؟
مَاذَا سَيَرْوِي الطِّينُ إنْ سَارَتْ جَحَافِلُهُمْ إِلَيْكْ؟
أَنا أَفْهَمُ الْعُشَّاقَ وَ الظَّمَأَ القَديم َلِنَاظِرَيْكْ
لكنك القَدَحُ العَتِيقُ وَ سَقْطَةٌ تَقْضِي عَلَيْكْ
مَنْ ذَا سَيُنْقِذُ شَيْخَةً مِنْ بَطْشِ عُرْوَةَ وَالسُّلَيْكْ ؟
هَذَا تُراث الأرضِ مُشْتاقٌ لِحُظْوَتِهِ لَدَيْكْ
وَ يَقولُ لا تَتَغَيَّبي فَالشمسُ تطلعُ مِنْ يَدَيْكْ
وصدَى الْحُداةِ يُلَوِّنُ الصَّحراءَ مِنْ طَلْحٍ وَأَيْكْ
وَ عَلى اللثامِ قَصيدةٌ كُتِبَتْ تَؤبِّنُ رِحْلَتَيْكْ
هذا نَشيدٌ أوَّلٌ فَمتىَ يُلامِسُ مسمَعيْكْ ؟
بَعَثَتْهُ قافلةٌ تُحاصرُها الحدودُ بِجَانبيْكْ
وَ يَفيض حَبْرُ الكاتبينَ فَهَلْ سَيَمْلأُ دفَّتَيْكْ؟

وبعد فهذا بابٌ جميل من أبواب الأدب تفرّد به الشاعر المبدع، وهو حريٌّ بالقراءة والإثارة، كغيره من أبواب تفرُّد الشيخ الشاب الذي ودّعنا فجأة فغادر ممتطيا “صهوات عبقر” تاركا أدبا غضّا طريا، وشعرا رائقا، وجرحا غائرا وذكرا بالمكرمات خالدا.. وقد أحسن الشاعر محمد الحافظ في توديعه يوم قال:
وفي ذمّة الله انبلاجة شارق… بها كان في أجياد عبقرَ عرَّسا
تفرَّستُ فيه الألمعيَّة يافعا… وقد كان فيه الموت أدهى نفرّسا
فالسلام عليه يوم ولد ويوم مات ويوم يُبعث حيّا.

نقلا عن موقع الإصلاح

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق